ابن سبعين
191
أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها
فقال له الشيخ : الدنانير التي سلمتها ناقصة . قال : يا سيدي ، ما هي ناقصة إلا شيئا يسيرا . فقال له الشيخ : ونحن أيضا ما نقصناك إلا شيئا يسيرا ، فإن أحببت أن نوفّي لك فأوفي لنا . قال : نعم يا سيدي ، ثم ذهب وعاد إليه بتوفية ذلك النقصان . فقال له الشيخ : اذهب فقد أوفينا لك كما أوفيت ، فرجع إلى منزله ، فوجد الولد غلاما بقدرة اللّه تعالى وإكرامه للأولياء . ومن ذلك ما روي مسندا في كتاب « مناقب الشيخ عبد القادر الكيلاني » أنه خرج يوما لصلاة الجمعة ، فمرّ به في الطريق ثلاثة أحمال خمرا للسلطان قد فاحت رائحتها واشتدت ، ومعها صاحب الشرطة وأعوان الديوان ، فقال لهم الشيخ : قفوا . فلم يفعلوا ، وأسرعوا في سوق الدواب . فقال الشيخ للدواب : قفي . فوقفت مكانها كأنها جمادات ، فضربوها ضربا عنيفا فلم تتحرك من مواضعها ، وأخذهم كلهم القولنج ، وجعلوا يتقلّبون على الأرض يمينا وشمالا من شدة المهمّ ، وضجّوا بالشيخ ، وأعلنوا بالتوبة والاستغفار ، فزال عنهم المهم ، وانقلبت رائحة الخمر برائحة الخل ، ففتحوا الأواني فإذا هي خلّ ومشت ، فعلت أصوات الناس بالضجيج ، وذهب الشيخ إلى الجامع ، وانتهى الخبر إلى السلطان ، فبكى رعبا ، وارتدع من فعل كثير من المحرّمات ، وجاء إلى الشيخ زائرا ، وكان بعد ذلك يجلس بين يديه متواضعا متصاغرا . وعن بعضهم قال : بينما أنا أسير في فلاة من الأرض إذ برجل يدور حول شجرة شوك ، ويأكل منها رطبا ، فسلّمت عليه ، فقال : وعليك السلام تقدّم وكل . فتقدّمت للشجرة ، فكلّما أخذت منها رطبا عاد شوكا فتبسّم الرجل ، وقال : هيهات لو أطعته في الخلوات أطعمك الرطب في الفلوات . النوع الخامس : علمهم ببعض الحوادث قبل وجودها ، والاطّلاع على ضمائر الخلق : وأما قول ربنا سبحانه وتعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً